محمد بيومي مهران

119

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ومنها ( سادس عشر ) أن قصة يوسف إنما تشير إلى أن المصريين ، ربما كانوا يعيشون في حرية شخصية إلى حد ما ، حتى مع نفس الملك القابض على السلطة في مصر ، وإن هذا الملك قد قبل أن يأمر بشيء في حق عبد دخيل ، فيأبى عليه ذلك العبد امتثال أمره ، إلا بعد إجراء التحقيق ، مع أنه يمكنه الجمع بين امتثال إرادة الملك وأجراء التحقيق ، بأن يبادر يوسف بالخروج من السجن ، ثم يطلب من الملك التحقيق في قضيته « 1 » . ومنها ( سابع عشر ) إن التوراة لم تشر إطلاقا إلى قيام يوسف - عليه السلام - بدعوة التوحيد ، بعكس القرآن الكريم الذي يشير إلى أن الصديق قد انتهز الثقة المكينة التي اكتسبها بين السجناء ، بسبب تفسير الرؤيا وتأويل الأحلام ، فيقوم بدعوته الدينية ، شارحا عقيدة الأنبياء جميعا في وحدانية اللّه الخالق العظيم . وهاتفا بمستمعيه « 2 » ، إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ، يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ، ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 3 » ، وذلك لأن يوسف لم يكن عالما يؤول الرؤيا فحسب ، بل كان رسولا مصلحا ، فما كان يرى فرصة يتنفس فيها برسالته إلا انتهزها ، ولا نهزة صالحة للدعوة إلا علق بها « 4 » ، ولهذا فإن الإشارة إلى

--> ( 1 ) مؤتمر تفسير سورة يوسف 2 / 839 . ( 2 ) محمد رجب البيومي : البيان القرآني ص 225 عبد الوهاب النجار : قصص الأنبياء ص 140 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 37 - 40 . ( 4 ) محمد أحمد جاد المولي وآخرون : قصص القرآن ص 103 .